|
رأي
عبد الباري كحيل
البداية من الجماهيرية والبقية تأتي
العالم يسير إلى سلطة الشعب .. ويعلن
سقوط الأنظمة التقليدية
بالمناسبة
ما تشهده معظم الساحات الدولية من أحداث
تكاد تكون شبه يومية سواء في الاضرابات
العمالية .. أو في العزوف عن المشاركة في
العمليات الانتخابية السلطوية وغيرها
..تؤشر حقيقة على الخلل القائم في صلب
النظرية التقليدية التمثيلية وما يعتريها
من قصور عن تلبية رغبات وطموحات المجتمعات
الإنسانية التي ارتقى وعيها وحسها إلى
أعلى الدرجات .. بحيث أصبحت الجماهير
حاضرة في كل مكان وزمان وتعبر بنفسها عن
رفضها لكافة أشكال التمثيل والنيابة ، في
الحياة السياسية التي تنعكس بدورها على
بقية الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية التي
لم تعد مقبولة من طرف الشغيلة والموظفين
الذين يقاطعون الإنتاج والخدمات لصالح
أرباب الأعمال سواء أكانوا أفرداً أو
أدوات تقليدية أخرى وكما ذكرنا فإن المشهد
الراهن سجل حضوراً كثيفاً للناس التي بدأت
في الخروج إلى الشوارع والاعتصام في
الميادين العامة وأمام ما يسمى بمؤسسات
وبرلمانات ومجالس النظم الديمقراطية
التقليدية في إشارة واضحة إلى أن عهد
التمثيل والنيابة وما ارتبط بها من
ممارسات أفرزت في مجملها كل تلك المشاهد
من الخراب والدمار والعنف سواء الذي يرافق
ما يسمى بالعمليات الانتخابية أثناء
إجرائها أو التي تعقبها مباشرة حيث تخرج
الناس إلى الشوارع وترفض النتائج وتطعن
فيها وتتصارع ويسقط الضحايا الذين قفزت
أرقامهم بشكل مُخيف وتكفي الإشارة إلى
حالة واحدة على سبيل المثال جرت في إحدى
بلدان العالم النامي التي طبقت النظام
النيابي ونظرية التمثيل وهي "كينيا ا لتي
سقط فيها "أكثر من 1000 ضحية .. في أعقاب
ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية وغيرها من
الأمثلة والدلالات التي تؤشر بوضوح على أن
الناس لم تعد تقبل بمثل تلك الحلول
التلفيقية في إدارة الحياة السياسية وفي
الاقتصاد والاجتماعيات وغيرها من الشؤون
الحياتية اليومية ، فالناس إئن تريد أن
تكون هي الفاعلة والأصلية بمعنى أن تمسك
السلطة بنفسها وتقرر ما يدور في عقلها
وحسها ووعيها وتتخذ بالتالي الشىء الصحيح
الذي يخدم استقرارها الاجتماعي والاقتصادي
وحياتها السياسية بصورة عامة ومثل هذه
الأشياء هي التي تنسجم مع اطروحات النظرية
الجماهيرية "الجماعية " التي تعنى وجود كل
الناس في السلطة يمارسونها مباشرة بدون
وسيط ولا نائب عنهم بل بأنفسهم وعبر
الأدوات الحضارية الجديدة التي افرزتها
النظرية الجماهيرية وهي الكومونات التي
تستوعب الرجال والنساء ممن بلغوا سن
الثامنة عشرة .. وبأعداد محدودة من
الأعضاء لكل كومونة بحيث تُتاح الفرصة لكل
عضو المساهمة الفعلية في طرح الأشياء
الإيجابية التي تخدم تطلعاته وطموحاته نحو
الاستقرار والسلم الاجتماعي وعلاقات
الجوار مع الآخرين والتي تتسم بالاحترام
المتبادل والمنافع المشتركة وغيرها من
الإجراءات والترتيبات التي تخدم في مجملها
تطلعات الشعوب عامة نحو السلم العالمي ..
وشطب الحروب والعدوان والغزو من قاموسها
.. لأن الشعوب بطبيعتها "مُسالمة " ولا
تكره بعضها ولكن الأدوات النيابية التي
تحتكر السلطة والسلاح "تُجيّر " مثل تلك
الإمكانيات التي توفرها لها نظريات
النيابة والتمثيل لخدمة مصالحها هي دون
الالتفات إلى مصالح الجموع ، وكما أشرنا
فإن اتساع الهوة اليوم بين الديمقراطية
التقليدية التي يتبناها الغرب ويحاول أن
يجعلها نظاماً عالمياً وبين تطبيقاتها
الراهنة يكشف حجم الابتعاد عنها بل
والعزوف حقيقة عن ممارستها .
فمقاطعة صناديق الانتخابات وتدني نسبة
الناخبين التي سجلت انخفاضاً شديداً بلغ
في بعض الحالات بحدود عشرين بالمائة من
حجم الناخبين كل تلك الأشياء تدل على أن
العصر الذي نعيشه الآن تجاوز بالفعل نظرية
التمثيل وبأن كل المنجزات المادية
المتمثلة في تقنيات الاتصالات وحجم
المعرفة الهائل الذي جعل العالم بمثابة
قرية واحدة سهلت الطريق أمام الناس
للاقتراب من عصر الجماهير الذي انطلقت
بشارته في مثل هذه الأيام من العام 1977
مسيحي من هنا من الأرض الليبية وتحديداً
يوم 2 الربيع 1977 مسيحي والذي وضع بالفعل
الشعوب أمام واقع حضاري جديد خاصة وأن
البيئة التي انطلقت منها النظرية
الجماهيرية طبقت التجربة وأسست القنوات
الحضارية الجديدة لممارسة السلطة مباشرة
،ومن طرف كل الناس عبر "الكومونات " وهي
التقسيمات التي استطاعت أن تستوعب كل
الناس وتعطي الفرصة لكل عضو "كومونة " في
طرح جدول الأعمال ومناقشة كل جزئية به وفي
متسع من الوقت
إن نجاح جماهير "الكومونات " في ليبيا في
تطبيقات النظرية الجماهيرية على الأصعدة
السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبلوغ
المستهدفات من الإعلان التاريخي بقيام
النظام الجماهيري بحيث أصبح كل الناس
أعضاء في الكومونات ويمارسون السلطة
مباشرة وأصبحت الثروة كذلك بيد الشعب بعد
أن تم توزيعها على كل الناس ولم يعد هناك
"محروم " من ثروة مجتمعه بل الجميع شركاء
فيها وتتوزع عوائدها عليهم ونفس الشىء
بالنسبة للدفاع الذي هو مسؤولية كل مواطن
ومواطنة .. كما ورد في نص البيان التاريخي
يوم 2/3/1977 مسيحي حيث الخدمة الوطنية
والتدريب العسكري العام حلّت محل الجيوش
التقليدية والتجنيد الإجباري وغيرها من
أشكال النيابة في الدفاع .
إن مثل تلك النجاحات والتي تتعاظم بالفعل
سنة بعد أخرى هي التي نقدمها لبقية شعوب
العالم كدليل هداية وطريق نجاة وعصر قادم
لا محالة ولقد بدأت التجاوبات تأتي
بشائرها ومن أقصى أطراف الأرض .. سواء من
أمريكا اللاتينية وحوض الكاريبي والتي
اعلنت فيها دولة مثل "نيكاراغوا" يوم
1/12/2007 مسيحي عن إنشاء مجالس "سلطة
المواطنين" والتي سيمارس الشعب من خلالها
سلطته وهي المجالس التي تستوعب كل أبناء
المجتمع هناك .. بحيث يتخذون قراراتهم
بملء إرادتهم ، ولقد جاءت مثل تلك
المضامين على لسان أكثر من قيادي في
نيكاراغوا في يوم المهرجان الكبير ..
بإعلان سلطة الشعب وقال بعضهم وبالحرف
الواحد "نريد أن نجعل من نيكاراغوا بلداً
حراً سيداً .. ونحن الآن نستغنى عن الصوت
الذي كان يودع في صناديق الاقتراع ومجالس
سلطة الشعب ستقضي على التمثيل والنيابة .
وعلى غرار "نيكاراغوا " تسير عدة دول في
أمريكا اللاتينية في اتجاه التجربة
الجماهيرية مثل فنزويلا - وبوليفيا -
والأكوادور .. كما أن هناك دولاً تعتبر من
مؤسسي النظرية النيابية التقليدية خاصة في
أوروبا بدأت تتجه نحو تطبيقات مقولات من
النظرية الجماهيرية وترجمتها على أرض
الواقع عبر توسيع المشاركة الشعبية وتوفير
احتياجات الناس للسكن وغيره من الحاجات
الضرورية التي تؤكد النظرية الجماهيرية
حتمية تحريرها وكسر احتكارها في إطار
التوزيع العادل للثروة وشركاء لا أجراء ..
وتحرير الحاجات الضرورية كالمركوب ومثل
تلك التطبيقات واضحة الآن سواء في
بريطانيا أو إيطاليا وغيرها وإن لم يعلنوا
عنها صراحة في بعض الأحيان . |