بصوت هادئ 

سكينة بن عامر

 هل الإعاقة مهنة؟

    

فتحي كان طفلا يضج حيوية وبهاء، يسابق اقرانه في المدرسة كي يفوز بالترتيب الأول ويكسب التصفيق والثناء من معلميه، إلى أن صدمه سائق متهور فأصيب بشلل رباعي ، ومن يومها أصبح فتحي أسير كرسيه المتحرك، فتغيرت حياته وحياة أسرته كلها، ولم تستوعب المدارس او المراكز وضعه فاستمر في تعلمه بالبيت، ومثله مهجة فهي طفلة ناعمة تشع محبة ووداً نادرين لا يحس بهما الا من كان له قلب نقي، في حين لا يتفهم كثيرون وضعها لأنها ذات احتياج خاص، وهي ممن لديهم متلازمة داون، ورغم كل صعوباتها فقد تحدتها بقلب صادق، وشقت طريقها ووصلت الي الصف السابع بمدرسة عامة مثلها مثل اقرانها ممن نطلق عليهم لقب الأسوياء .. فتحي طالب ومهجة طالبة، وهما لا يختلفان عن غيرهم ممن في سنهم سوى في الصعوبات التي تفرضها أوضاعهم واحتياجاتهم الخاصة الناتجة عن إعاقاتهم، لكن كل واحد منهما انسان مثلما انا انسان وانت انسان، وكل واحد منهما طالب يتعلم ويدرس سواء في البيت أم في المدرسة، لكنهما مختلفين عني وعنك وعن كل واحد منكم، فهما موصومان بالإعاقة، ومكتوب على كل واحد منهما أن يمارس مهنة( معاق) طيلة حياته كما أصرت مصلحة الجوازات بتسجيلهم لديها عندما تكرمت بمنحهم ابسط حق لهم وهو الحصول على جواز سفر، وهنا وقع الموظف المبجل في حيرة امر من حيرة (حيص بيص) على رأي أشقائنا في الشام،  حيث لم يجد من يملأ الخانات  مهنة تليق بمهجة وفتحي سوى الاعاقة، لذلك حمل جواز سفر كل منهما صفة ( معاق) في خانة المهنة وكأن الاعاقة مهنة يمارسها من لديه صعوبات وأوضاع خاص ! وحينما تساءلت لماذا لا يسجل في خانة مهنة من يتعايش مع مرض السكر مثلا بانه يمارس مهنة (مريض سكر مزمن) أو ان نمنح من يعاني من متاعب في القلب مهنة (مريض قلب مزمن)! .

ليس فتحي او مهجة فقط من يحمل مهنة ( معاق) في جواز سفره، بل كثيرون من أمثالهم ممن مازلنا نعتقد بانهم لا وجود لهم بيننا رغم كل الجهود المضنية التي تقوم بها الجمعيات الوطنية المعنية بذوي الاحتياجات الخاصة لتوعية المجتمع بحقهم الطبيعي والمشروع في الاندماج والمشاركة والتمكين، وإعادة تكوين مفاهيم ومدركات انسانية جديدة تساعد في تنمية الوعي العام بقضاياهم، وتعديل اتجاهات المجتمع نحو تعامل أفراده مع الفئات الخاصة والمهمشة في المجتمع سواء أن كانوا مثل فتحي ومهجة، او كانوا من الاطفال ذوي الأوضاع الخاصة كالمصابين بالايدز والأمراض المزمنة والأيتام والمسنين المهجورين وما اليهم من فئات نهمشهم ونستكثر عليهم حقوقهم ونتناسى إنسانيتهم وقدراتهم.

كم نحن في حاجة الي تحسين الصورة الذهنية السلبية حول هذه الفئات المهمشة كي نحفظ لهم حقوقهم، ونساندهم ونهيئ المجتمع لتقبلهم وتمكينهم من تلك الحقوق بتيسير ارتيادهم للاماكن العامة، وتهيئة مكان العمل والدراسة والتعلم كي يسهل عليهم ارتيادها، وحتى لا يكونوا مثل فتحي يفرض عليهم التعلم داخل بيوتهم لعدم ملاءمة المدارس العامة لانتقاله، ولعدم ملائمة مراكز إعادة التأهيل لأوضاعه، كم نحن في حاجة الي مشروع وطني يهدف الي تبني قضايا الاندماج والمشاركة والتمكين من الحقوق، كي لا يقول لنا أبناؤنا ممن لديهم أوضاع خاصة كما قالت تلك الفتاة الموصومة بالإعاقة لمراسل قناة الجزيرة في الاحتفالات السنوية باليوم العالمي للمعاقين العام الماضي (أنتم تقفلون عالمكم عنا، كما نحن نقفل عالمنا عنكم، فنحن لا نرى لنا حضوراً في وسائل الإعلام، ولا نرى صوراً أو تمثيلاً لنا فيها، نحن نعتقد بأننا لسنا جزءا من هذا المجتمع، ولا أنتم تروننا جزءا منه)، فكانت هذه العبارات اصدق تعبير عن علاقة التقاطع القائمة بين المجتمع وبين المعاقين، وهي المبرر الذي يستند عليه ذلك الموظف الذي سجل مهنة فتحي (معاق) في جواز سفره ليحمل معه هذه الوصمة أينما حل.

 

 

 

طالع ايضا للكاتب

العدد

التاريخ

  كل الألوان تعجبني‮!!‬

5536

07/05/2008

  حيّرتني‮ ‬يا‮ (‬دوت كوم‮)‬

5530

30/04/2008

  حكايات الجيل الجديد

5524

23/04/2008

  هذا سر البحر

5518

16/04/2008

  ماذا‮ ‬يهم كيف نسميهم؟

5512

09/04/2008

  أسطورة فرح

5506

02/04/2008

  ضعف تحصيل أم تحصيل ضعف؟

5500

26/03/2008

  الأمية الوظيفية

5494

19/03/2008

  جبر الخاطر

5488

12/03/2008

  استعارة‮ ‬غير مسبوقة الدفع

5482

05/03/2008

  حين دارت عيناي‮ ‬حيرة

5476

27/02/2008

  الأمية الوظيفية

5470

20/02/2008

  أطماع الحج والسلامة

5464

13/02/2008

  كل الألوان تعجبني‮!!‬

5457

06/02/2008

  سلم جديد للقيم

5451

30/01/2008

  ثقافة الاستهلاك الترفي

5445

23/01/2008

  العبور إلى المستقبل

5433

09/01/2008

  من‮ ‬يقفل دُور المسنين؟‮!‬

5427

02/01/2008

 أخبار وكالة الجماهيرية للأنباء ( أوج )
 

صحيفة الجماهيرية 2006 ف – جميع الحقوق محفوظة