|
في عام 1996 م صادف أن اطلعت على أول نص
وصلني من الشاعرة سعاد يونس ، توقفت أمامه
كثيراً ، وأحسست أن ثمة شىء يخفق في هذا
التداعي البرىء للصورة والفكرة كانت تلك
المقطوعة تجيد إحدى مقومات الفن وهو اللعب
، والأهم من ذلك كانت تذهب دون تكلف إلى
مكمن الحرفة الشعرية ، وهى العودة بتأمل
إلى منجم الطفولة الخصب ، الذي به يعلن
الشعر عن نفسه كتساؤل بكر تجاه صيرورة
الإنسان :( ريشتي حكيمة مثل جدي / ترتدي
قبعة / وتلبس النظارة مثل جدي / وعندما
تغضب / تنظم الشعر ../ وتشعل السيجارة مثل
جدي / لكنها .. / لا تتكىء على عكاز مثل
جدي ) . هكذا تتنكب اللعبة الطفولية
الناضجة عبر مقارنة مفارقة بين معادلين ،
بينهما مسافة منطقية شاسعة ، لكن العلاقة
الحميمية مع هذين الكاتبين تُبنى هرم النص
بعفوية دالة ، تستدرج حميمية الجد إلى
ريشتها ، ولا تقف هذه المبادلة إلا عند
أيقونة الزوال والضعف ، إعلانها المقتضب
عن طاقة شعريتها التي ترفض الاتكاء .
اعترف أن هذا النص أسرني ببساطته المرحة
وبمرسله العنيد في الوقت نفسه ، لكن هل
يمكن الإعلان عن شاعرة أو شاعر من صفحة
واحدة ، الأمر مُربك ، لكن بالإمكان أن
تقبض على الجوهر الشعري في ومضة وتفقده في
كتاب كامل ، بالإمكان أن تعلن عن بذرة دون
أن تقرر مآلها أو عن شعاع يبدد جزءاً من
العتمة ، تابعت بعدها العديد من القصائد
التي كانت تؤكد أن ثمة نبض هامس مصرّ على
أن يلفت النظر إليه بطرقاته الخفيفة على
باب القصيدة التي تبحث عن كينونتها الخاصة
، وفي النصوص اللاحقة لم يتوقف اللعب
واستجواب الطفولة بمزيد من الأسئلة
البريئة والحارقة :( لماذا .. / حينما
تضيع أشيائي / لا أراها إلا في قسمات
الوجوه ؟/ ولا أجد مدني الغرقى / إلا
قناديل ../ في أيدي الأطفال ؟ لم تسطع
أسطح المرايا / وخلفياتها تتجلل بالسواد
؟) يلاحقها السؤال الساذج حد القلق
والبرىء ، حد المواجهة .. نتمكن من
الأشياء لتقول لحظتها،. مصغية بعنجهية
ماكرة إلى صوت المشاهد المحايدة ، وعابثة
بلغة سهلة في كل ما من شأنه أن يخلد إلى
سكينة متبرمة ، وفاتحة الطريق إليها
بمحاذير تليق بعنفوان أنوثتها :( غير مهذب
اسفلت أحلامي / كي تصلني .. حاذر حفاءك
وتسلل ) شروطها مقتضبة وإن كان معبدها
ضاجاً بالأمنيات الصغيرة التي هي في
الواقع بحجم كينونتها بمعزل عن أية إحالة
، ذات مقترفة في زمن التشابه ، تريد
التلوث بالألوان في مرسم قريب من هذيانها
: ( حبيبي .. ارسمني عطراً / أو حلوى / أو
حتى عيداً ../ أتستطيع أن ترسمني عيداً ؟
/ فأنا على طول عمري لم أر .. / عيداً
مرسوماً في ورقة ) بعيد عن الإدعاء
اقتراحها للقصيدة ، كل مفردة متوثبة لمحق
كل ما يصادر حلمها ، تمكث في كل موكر ثري
من الذاكرة ، تُنطق الأشياء بعناية
لتسترسل في سيرتها المشحونة بموسيقى الزمن
الجافل من قدميها المكبلتين ، وعلى أرض
الرحى التي تدور معها وتتضرج بنزيفها
الأبيض تقترح الغناء :( أشهديها ../
ودعينا نغني معاً / أنا .. وأنت .. / وأرض
الرحى ) أبداً حنين الأنثى إلى الطفولة هو
توق شغوف إلى بكارة الروح وحرية الجسد قبل
تزويجه من الإثم . |