|
قهوة سوداء مكعبان من السكر المحلّي
.ملعقةُ صغيرةُ.كوب من الماء المعدني .
صوت فيروز او اخبار الحروب والمجاعات :
هذا ما باستطاعة النّادل ان يُوفّرهُ لكَ
كلّ صباح إبتداءً من الثامنة صباحاً.
أمّا البقية فعليك أنت أن تُوجدها :
الجرائد والمجلات ، السجائر اللذيذة
القاتلة ، الأقلام ، الاوراق البيضاء ،
الإيهام المنشود .
تنتحي زاوية في المقهى وتخلص طاولتك من
الكراسي الزائدة حتى لايشوش راحتك أي طارئ
من الجلاّس .
تترشف قهوتك بتأني المسؤولين على مصير
الكرة الأرضية وضواحيها ، تُدوِّ القلم ،
عدة مرات ، بين أصابعك ، وكأنك تراقصه ،
ثم تحثه على الشروع في الكتابة من تلقاء
نفسه بالحبر الذي لم تضعه أنت فيه !
قلم ٌ أنيق وجميل ٌ : يعلق أحد الزبائن
صباح الخير ، ترد عليه باقتصاد في النطق
وكأنك تنطق حرفين لا تسعة حروف بكاملها !
في البداية يبدو لك الأمر سهلاً. تقول في
سرك :» ساعة ... ويكون المقال جاهزاً ...
ساعة على الأكثر «.
بعد ساعة من التفكر والتدخين يكون نهارك
قد تقلص بساعتين أو ثلاث ، وحبورك قد
إنقلب إلى عبوس
» مابك ؟ هل أنت بخير ؟ « يسألك جارك الجالس
» أنا بخير « : ترد عليه مضيفاً : » هل شكوت لك من أمر محدد
؟«
تطلب قهوة أخرى . تصدر أوامر فورية إلى
ذاكرتك الشحيحة فتسعفك بالتعريف التالي :
المقالة فكرة وأسلوب .
تستأنس بقولة الجاحظ : » المعاني مطروحة
على قارعة الطريق « المعاني باعتبارها
أفكاراً ورؤى وهواجس ، تستنتج أنه لم يبقَ
لك سوى العثور على الأسلوب .
الأسلوب هو طريقتك المخصوصة في الكتابة
ومن قبل ذلك في الحياة .
تعيد التأمل في ماشرعت في كتابته ، إلى حد
هذه اللحظة
تتأسى بقولة أبي حيان التوحيدي:
» الكلام على الكلام صعب «
تحوم حولك عقبان الفلسفة وثعابين فقه
اللغة وجواري البلاغة فتتمنى أن يحول
الموت دونك و دون مواصلة الكتابة بشرط
أن تكتب على الأقل ، وصية من وصاياك
العديدة !
عند هذا الحد من الجلوس في المقهى
والانتظار : إنتظار خبر سار أو مصيبة قد
يخلصانك من بطالتك الوجودية تفكر بشأن
القارئ: قارئك الذي نهض بدوره باكراً ،
واشترى الجريدة ، من أجل أن يقرأك ويقرأ
لغيرك
تفترض أنه قارئ ذكي .. وهذا يحدث ايضاً
وتزيد فتفترض أنه ليس قارئاً فقط بل كاتب
يعرف سرّ المهنة كما يقال في لغة الحرفيين
. في هذه الحالة تتمنى عليه أن يواصل ما
شرعت في كتابته وأن يعذرك على تيهك في هذا
الحاضر العربي الزلوق
الكتابة :
عقوبة أم إمتياز ؟!
هذا ما يتعين التفكر فيه .. لكن دون
اللجوءإلى وضع الرأس بين اليدين لأن ذلك
لن يضيف شبئاً إلى منحوته » المفكر «
للنحات الفرنسي،رودان . |