خارج النص 

محمد الصغير أولاد احمد

شاعر وكاتب من تونس

كلام على كلام

     

قهوة سوداء  مكعبان من السكر المحلّي .ملعقةُ صغيرةُ.كوب من الماء المعدني . صوت فيروز او اخبار الحروب والمجاعات : هذا ما باستطاعة النّادل ان يُوفّرهُ لكَ كلّ  صباح إبتداءً من الثامنة صباحاً.

أمّا البقية فعليك أنت أن تُوجدها : الجرائد والمجلات ، السجائر اللذيذة القاتلة ، الأقلام ، الاوراق البيضاء ، الإيهام المنشود .

تنتحي زاوية في المقهى وتخلص طاولتك من الكراسي الزائدة حتى لايشوش راحتك أي طارئ من الجلاّس .

تترشف قهوتك بتأني المسؤولين على مصير الكرة الأرضية وضواحيها ، تُدوِّ القلم ، عدة مرات ، بين أصابعك ، وكأنك تراقصه ، ثم تحثه على الشروع في الكتابة من تلقاء نفسه بالحبر الذي لم تضعه أنت فيه !

قلم ٌ أنيق وجميل ٌ : يعلق أحد الزبائن

صباح الخير ، ترد عليه باقتصاد في النطق وكأنك تنطق حرفين لا تسعة حروف بكاملها !

في البداية يبدو لك الأمر سهلاً. تقول في سرك :» ساعة  ... ويكون المقال جاهزاً ... ساعة على الأكثر «.

بعد ساعة من التفكر والتدخين يكون نهارك قد تقلص بساعتين أو ثلاث ، وحبورك قد إنقلب إلى عبوس

 » مابك ؟ هل أنت بخير ؟ « يسألك جارك الجالس

» أنا بخير « : ترد عليه مضيفاً : » هل شكوت لك  من أمر محدد ؟«

تطلب قهوة أخرى . تصدر أوامر فورية إلى ذاكرتك الشحيحة فتسعفك بالتعريف التالي :

المقالة فكرة وأسلوب .

تستأنس  بقولة الجاحظ : » المعاني مطروحة على قارعة الطريق « المعاني باعتبارها أفكاراً ورؤى وهواجس ، تستنتج أنه لم يبقَ لك سوى العثور على الأسلوب .

الأسلوب هو طريقتك المخصوصة في الكتابة ومن قبل ذلك في الحياة .

تعيد التأمل في ماشرعت في كتابته ، إلى حد هذه اللحظة

تتأسى بقولة أبي حيان التوحيدي:

» الكلام على الكلام صعب «

تحوم حولك عقبان الفلسفة وثعابين فقه اللغة وجواري البلاغة فتتمنى أن يحول الموت  دونك  و دون مواصلة الكتابة بشرط أن تكتب  على الأقل ، وصية من وصاياك العديدة !

عند هذا الحد من الجلوس في المقهى والانتظار : إنتظار خبر سار أو مصيبة قد يخلصانك من بطالتك الوجودية تفكر بشأن القارئ: قارئك الذي نهض بدوره باكراً ، واشترى الجريدة ، من أجل أن يقرأك ويقرأ لغيرك

تفترض أنه  قارئ ذكي .. وهذا يحدث ايضاً وتزيد فتفترض أنه ليس قارئاً فقط بل كاتب يعرف سرّ المهنة كما يقال في لغة الحرفيين . في هذه الحالة تتمنى عليه أن يواصل ما شرعت في كتابته وأن يعذرك على تيهك في هذا الحاضر العربي الزلوق

الكتابة :

عقوبة أم إمتياز ؟!

هذا ما يتعين التفكر فيه .. لكن دون اللجوءإلى وضع الرأس بين اليدين لأن ذلك لن يضيف شبئاً إلى منحوته » المفكر « للنحات الفرنسي،رودان .

 

 

طالع ايضا للكاتب

العدد

التاريخ

  كلام على كلام

5472

23/02/2008

  من رجل اليوم‮ . . ‬إلى امرأة اليوم

5466

16/02/2008

  أدعـــيـــة

5460

09/02/2008

  تحية لأصابع أبوتريكة

5453

02/02/2008

  بلدي‮ .. ‬الثاني‮ ‬

5447

26/01/2008

  مناديل

5441

19/01/2008

  أصفار‮ .. ‬على‮ ‬يمين الأكسجين

5435

12/01/2008

  حديقة الشقاء

5429

05/01/2008

 أخبار وكالة الجماهيرية للأنباء ( أوج )
 

صحيفة الجماهيرية 2006 ف – جميع الحقوق محفوظة