خلجة

جابر نور سلطان

 (1)القاهرة: غواية الأماكن

 

لم نكد نطأ أرض مطار القاهرة، حتى اخترقتنا موجة من الصقيع.. صقيع لم أحسَّ به منذ زمن، على الرغم من ارتدائي لمعطف صوفي تنوء كتافي بحمله.

القاهرة عجيبة هذا المساء، تتشح بوشاح غريب، يكاد يخفي ملامحها.. مقابض الحافلة قطع من الجليد. هرعنا إلى (صالة) المطار في انتظار إجراءاتنا. لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً بعد أقل من نصف ساعة كانت السيارة تعبر هذا "الجلال الشتوي" الذي يلفّ ليل القاهرة، هل يستطيع هذا البرد القارص أن يطفئ جذوة شوقي إلى هذه السيدة الفارهة الباذخة البهاء، التي ترفل هذه الليلة في (دمقس) مرصّع البرد، كأنها ماضية إلى حفل كرنفالي على أنغام (سيمفوني) عالمي في دار الأوبرا، أو رواية كلاسيكية في المسرح القومي، أو عشاء في (التري بون)، القاهرة تبدو لي هذه الليلة (امرأة) مسافرة في حُسن مغاير، منتقية بدقة ثوبها الأسود، ومتأنية بحكمةٍ ممزوجة بقليل من الجنون تسريحة شعرها، ومستغرقة في انتقاء (مكياجها)، ومتألقة في اختيار أقراطها.

لا. لم يفلح (الجو الجليدي) في إطفاء جمرات شوفي لـ"عاصمة الدنيا".. كلما توّغلت "الحافلة" باتجاه المدينة، كلما تسلّل الدفء إلى قلبي.. وتجرأت وسحبت يدي من جيبي، ومددتها إلى الأمكنة التي أحبها، صافحتها، وتعمّدت إسكان أصابعي في راحتها.

    ثمّة كلام غير مسموع، كلام لم يرصده أحد، ولم يصنّفه أحد، حروفه هامسة لامسة نابسة، مكتظة بكلام، ومشاعر، وأسرار، وأشواق تسفح نفسها عند التشابك، يعلق الوجد، يعلق العتب، يعلق الحديث الشجي.

    أسكن أصابعي في راحة الأمكنة، أسكنها بكل ما لديها من كلام يحب أن ينام على (وسادات) الأنامل المضمّخة بعطر طاعن في الدفء.. أسِّلم أطيل السَّلام فتتبعثر أحرفي على الواجهات، ويستلقي بعضها على النوافذ، ويتسرّب بعضها يستريح على  الأكف المصطكة.

     تشتعل أصابعي دفئاً، شوقاً، حنيناً، تتشابك في طقس جنوني مع (الأماكن) التي (لم يبرد عطرها) والذي فاق كلّ العطور التي عرضتها عليها (المادموزيل) الأنيقة في السوق الحرّة للمطار، وأنا أطلب منها أن ترشح لي عطراً يليق "بأنثاي".

عطر الأماكن التي تتدافع باتجاه بعضها، هرباً من الصقيع، كأنها ظباء مقرورة، فتزداد جمالاً على جمالها.

    كل شيء هنا يحيلك إلى ما بعده وإلى ما قبله، يحيل إلى سيرة (الأماكن) من مستهل تنفّسها، إلى مشاويرها الطويلة، التي تحتفظ بالخطا كلها التي نقشت عل صفحاتها.

    أحاديث وحكايا، وأنفاس لمّا تزل حُرّة هنا لمّا تزل تفوح بوهجها الأولّي، وتعثّراتها الأولى، وتلمساتها المبكرة.

    أحاديث لا تنقطع تبثها لك وحدك الأماكن المزدحمة بكل شيء، الأماكن التي تستنطق التاريخ، وتهبه حياة متواصلة، فيشخص رجالاً ونساءً، وكلاماً، وأحلاماً، وأمنيات، وأغنيات، ودموعاً سخينة، وآهات دفينة.

لقادة وسلاطين وملوك وأباطرة، وفقراء ومقهورين ومدقعين.

    المقاهي المتربعة في أماكنها تضجّ بالكلام الذي لم ينطفئ، لم يتوقف عن الإثارة والدهشة.

     في ركن دافئ، يشع حديث خافت لعاشقين يتهجيان حروف الكلمة السحرية، يتعثران فيها، تصل إلى البوح، لكنها تعود، تشتبك الأصابع، تتلوّن الكلمة على ضفافها، تلتقي النظرات فينهض وفت جميل، وقت برئ شديد النصاعة والطهر.

 

 

 

طالع ايضا للكاتب

العدد

التاريخ

  القاهرة‮: ‬غواية‮ ‬الأماكن

5460

09/02/2008

 أخبار وكالة الجماهيرية للأنباء ( أوج )
 

صحيفة الجماهيرية 2006 ف – جميع الحقوق محفوظة