رؤية أخرى 

د.الطاهر أشقيفة سعيد

نهاية التاريخ أم الرأسمالية ؟

 

لا أعلم على وجه اليقين كيف انغمس "فوكوياما " في التفكير في نهاية التاريخ ولماذا غض النظر عن مشاكل الرأسمالية والليبرالية الغربية ولم يفكر في نهايتها أبداً ، ربما كان مثل آخرين أبهرتهم الانتصارات العسكرية والتقدم التكنولوجي وشغلتهم انجازات المدنية الغربية عن التفكير في اتجاه آخر معاكس أو مناقض .صحيح أن الأسواق تفتح عنوة أمام الرأسمالية الواحدة بعد الأخرى "العولمة " والعقبات والأسوار والقيود  تتحطم الواحدة بعد الأخرى "القات " والسوق والعولمة والحداثة في تناغم حتى الآن لكن ذلك لا يعني البتة استبعاد الصدام أو أنه ليس ثمة نهاية كما كانت هناك بداية يسبقها أو يعقبها انحطاط وتقهقر "ابن خلدون " وغوغائية "القذافي " أو فكرة الطير "الشعبية ".. ربما فلسف تفكك الاتحاد السوفيتي وذبول الماركسية كانتصار للرأسمالية على الاشتراكية والليبرالية على الشمولية رغم أنه لم يكن كذلك البتة بمعنى أنه لم يكن سوى انتصار للعامل الاجتماعي "القومي "على ما عداه .ربما نتفق مع "فوكوياما " في الديمقراطية الليبيرالية كحالة تقدمية لكن مقارنة بما قبلها أي بالنظم الشمولية الاستبدادية والدكتاتوريات المطلقة والتيقراطيات الدينية .. ولكنها ليست نهاية المطاف ولن تكون كذلك وهكذا الرأسمالية حالة متقدمة مقارنة بما سبقها أي بالنظام الاقطاعي والارستقراطي والسخرة وتجار العبيد . تماماً مثلما كانت الجمهورية ووثيقة حقوق الإنسان الفرنسية والدستور .. حدث الزمان عندما كان مجرد  إعلان الجمهورية يمثل انتصاراً أو تحولاً تاريخياً ومجرد إعلان دستور أو حقوق كذلك والآن صارت الطموحات الإنسانية والأسئلة تتجاوز مسألة إعلان الدستور والحقوق إلى ماهية ووظيفة الدستور والحقوق والقانون والسيادة .. من يملكها ومن يكتبه أو يصنعه ومن ينفذه ؟.

إن التنبؤات بنهاية الرأسمالية ليست جديدة "ماركس ، القذافي " ربما لن يكون سريعاً ومريعاً كما الماركسية أو دموياً كما الفاشية وسقوط الديكتاتوريات أي بطيئاً وتحوليا تحسينياً عبر الإصلاح والتحسين والتنازلات لكنه أمر واقع في النهاية . فالإنسان يطور حياته ، واقعه وما حوله وإلا كان توقف عند حد مخترعات بعينها ونماذج لذاتها ومنطق الحياة وغايتها يفرض التطور المستمر والبحث عن الأفضل "الحداثة " التي لم تتوقف عند حد أو تنتهي عند نهاية في شكلها المادي فكيف لها أن تتوقف على صعيد الديمقراطية والليبرالية ؟ .لهذا فإن ربط مصير الإنسان ومستقبل التاريخ بمصير الرأسمالية ومستقبل الليبرالية الغربية لا يقوم سوى على أسس واهية وانتصارات زائفة ومعدلات ليست ثابتة بالضرورة إضافة إلى ما يمثله من تجني على العقل الإنساني وذاته المبدعة المطورة وإلغاء لفكرة التقدم من أساسها خاصة أن الرأسمالية والليبرالية الغربية لم تصل حد الكمال ولا مبلغ العلم فالنموذج يعاني مشكلات جمة ويواجه اتهامات كثيرة ويثير أسئلة لا حدود لها ويحوى من التناقضات مايضيق المجال هنا لعدها وإحصائها سواء على مستوى الدولة ووظيفتها أو السلطة وطبيعتها أو النظام الذي تقيمه والآليات التي تعتمدها والحقوق التي تمنحها أو على صعيد الاقتصاد وعلاقاته ووظائفه ومبادئه .. إلخ يمكن الاحتجاج بالرفض الجماهيري والاحتجاجات العلنية والاعتراضات اليومية ومختلف مظاهر الاستياء "إضرابات واعتصامات " كدليل على زيف نبؤة "فوكوياما " حتى وإن جعلتها الليبرالية أحد أهم المبادىء المهمة "التعبير " المهم أن الصراع مازال قائماً والرفض كذلك طالما أن قواعد الاعتراف والمساواة مازالت في صالح الأغنياء وتحكمها قيم السوق وآلياته وهي في مجملها قيم احتكارية محضة قائمة على استبعاد واستغلال وتهميش  الآخرين حتى ولو جرى إلباسها ثوباً مزركشاً يسر الناظرين "التعددية والتنوع و_المساواة والحقوق " التي تظل بلا معنى .

 

لقد بنت "الرأسمالية الليبرالية "مجدها ونجاحها على قيم مادية بحثة كان للتطور التقني المتلاحق التأثير المهم والدور الحاسم في تغطية كل العيوب وسد النواقص وعلى قيم لا أخلاقية "نهب ، استغلال ، تبعية ، هيمنة " لم تنتهِ بعد رغم القول بذلك أي أنها تتبدل ككل مرة "استعمار ، عولمة .. " بالانتقال من مرحلة لأخرى ومن نمط لآخر مع الحفاظ على القاعدة الأساسية التي وحّدت الرأسمالية والليبرالية وحوّلتها إلى ايديولوجيا المصالح المتبادلة وليس الاعتراف المتبادل والمساواة التي تظل شكلية .

إن الاعتقاد بأن الرأسمالية "السوق - العولمة - المنافسة " ستوحد العالم على نحو لم يسبق له مثيل وتجره نحو مزيد المجانسة والتطابق تظل مجرد فكرة افتراضية تنميطية تحالف فكرة التنوع وتناقض التعدد الذي جبلت عليه الإنسانية منذ الأزل وهو ما يمنح ككل مرة الخصوصيات فرصة الرفض للعودة  بالتاريخ من حيث بدأ وليس من حيث انتهى .

ما يفسر انتماء واحتماء الرأسمالية والليبرالية بالمركزية الغربية وبالقوة العسكرية الهائلة الخوف على السوق والمصالح التي تمثلها باعتبارها الشريان الأساسي لرفاهية ونعمة الغرب لهذا نراه لا يكترث بالديمقراطية وحقوق الإنسان والقوميات والخصوصيات عندما يتعلق الأمر بأي مسألة اقتصادية كأولوية تسبق كل أولويات .

أخيراً

لقد أثارت فكرة نهاية التاريخ ما يكفي من النقاشات المؤيدة والمعارضة لكنها تبقى في الأخير مجرد فكرة نظرية لا تبحث في خطوط أو دوائر التاريخ بدايته أو نهايته بقدر ما تسند الرأسمالية الآيلة للسقوط وتطوع كل شىء لخدمتها وتغض النظر عن حقائق التاريخ المتجهة صوب الحلول الجماهيرية .

 

 

 

طالع ايضا للكاتب

العدد

التاريخ

  نهاية التاريخ أم الرأسمالية ؟

5493

18/03/2008

  كيف أكون حداثياً‮ ‬

5487

11/03/2008

  الإسلام والديمقراطية

5481

04/03/2008

  الإعلام والسوق‮

5463

12/02/2008

  عصر التنوير الجماهيري‮ ‬

5456

05/02/2008

  العولمة والتنوع الثقافي‮ ‬

5450

29/01/2008

  كيف أكون حداثياً

5444

22/01/2008

  الفضاء الرقمي‮ ‬المعولم‮ ‬

5438

15/01/2008

  صيغ‮ ‬الحداثة

5432

08/01/2008

  نهاية التاريخ أم الرأسمالية ؟

5426

01/01/2008

 أخبار وكالة الجماهيرية للأنباء ( أوج )
 

صحيفة الجماهيرية 2006 ف – جميع الحقوق محفوظة